مؤسسة دائرة معارف الفقه الاسلامي
229
موسوعة الفقه الإسلامي طبقا لمذهب أهل البيت ( ع )
--> وأنّه هو البناء والعزم على الترك وتوطين النفس على ذلك - كما عن الشيخ الأنصاري قدس سره بحيث لو كان بانياً على ارتكاب المحرّمات لبطل حجّه وإحرامه - ممّا لا وجه له أصلًا . نعم في البين خبران يظهر منهما أنّ الإحرام يتحقّق قبل التلبية ، ولكن لا بد من رفع اليد عن ظهورهما بحملهما على العزم على الإحرام أو إتيان مقدّمات الإحرام والتهيّؤ له ؛ لصراحة الروايات المتقدّمة على خلافهما : أحدهما : مرسل النضر عن بعض أصحابه ، قال : كتبت إلى أبي إبراهيم عليه السلام : رجل دخل مسجد الشجرة ، فصلّى وأحرم وخرج من المسجد ، فبدا له قبل أن يلبّي أن ينقض ذلك بمواقعة النساء ، أله ذلك ؟ فكتب : « نعم » ، أو « لا بأس به » فإنّه دالّ على تحقق الإحرام قبل التلبية . والجواب ما عرفت ، مضافاً إلى ضعف السند بالإرسال . ثانيهما : صحيح معاوية بن عمّار قال عليه السلام : « صلّ المكتوبة ، ثمّ أحرم بالحجّ أو بالمتعة واخرج بغير تلبية حتّى تصعد إلى أوّل البيداء إلى أوّل ميل عن يسارك ، فإذا استوت بك الأرض - راكباً كنت أو ماشياً - فلبِّ » . فإنّه أيضاً يدلّ على وقوع الإحرام قبل التلبية ، إلّا أنّه لا بدّ من حمله على المقدّمات ، مثل : التجرّد من المخيط ، ولبس الثوبين ممّا عرفت من صراحة تلك الروايات في حصول الإحرام بالتلبية . وبالجملة : لا ينبغي الإشكال في كون الروايات صريحة في أنّ التلبية سبب وموجب للإحرام ، وقبلها لا يتحقّق الإحرام . وإن شئت قلت : إنّ المستفاد من الروايات المعتبرة الكثيرة أنّ التلبية سبب للإحرام ، وبها يدخل في الإحرام ، وقبلها لا يكون محرماً ، ولكن ليس مرادنا من ذلك أنّ الإحرام يصدق على التلبية أو التلبية صادقة على . . . . . . - الإحرام ، بل التلبية تلبية الإحرام ، لا أنّها بنفسها إحرام نظير تكبيرة الإحرام ، فإنّ المكلّف بسبب التكبيرة إذا قصد بها الصلاة يدخل في الصلاة ، وكذلك بالتلبية بقصد الحجّ يدخل في الإحرام وفي أوّل جزء من الحجّ ، بل مرادنا أنّ الإحرام معناه إدخال نفسه في حرمة اللَّه ، غاية الأمر إنّما يدخل في حرمة اللَّه بسبب التلبية ، فما لم يلبّ لم يدخل في الإحرام وفي حرمة اللَّه ، كما إذا لم يكبّر لم يدخل في الصلاة ، وإذا كبّر حرم عليه منافيات الصلاة ، وفي المقام تحرم عليه الأمور المعهودة إذا لبّى ، ولا يتحلّل من ذلك إلّا بالتقصير في العمرة والسعي في الحجّ . وبعبارة أخرى : ما استفدناه من الروايات أنّ الإحرام شيء مترتّب على التلبية ، لا أنّه نفس التلبية ، ولذا يعبّر عنها بتلبية الإحرام ، ولا يدخل في هذه الحرمة الإلهية إلّا بالتلبية . ويؤكّد ذلك : الروايات الكثيرة الدالّة على أنّ المحرم يحرم عليه كذا أو يجب عليه كذا ، فإنّ المستفاد منها أنّ هذه الأحكام مترتّبة على من دخل في حرمة اللَّه ، وموضوع هذه الأحكام هو الداخل في حرمة اللَّه ، وليس موضوعها الملبّي ، فقوله : المحرم يحرم عليه كذا ليس المراد به من لبّى يحرم عليه كذا ، بل يظهر من الروايات أنّ الإحرام أمر إذا دخل فيه المكلّف وتحقّق منه يحرم عليه هذه الأمور ، غاية الأمر سبب الإحرام هو التلبية ، والإحرام أو الدخول في حرمة اللَّه مسبّب عن التلبية ، فلا بدّ أن نقول بأنّ الإحرام أمر اعتباري يترتّب عليه هذه الأمور بسبب التلبية ، ولا يعقل أخذ هذه المنهيّات والمحرّمات في معنى الإحرام ، وإلّا للزم الدور وأخذ الحكم في موضوعه ، وهو أمر غير معقول ؛ إذ لا يعقل أن نقول : إنّ ]